الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

40

نفحات الولاية

الكائنات الأرضية والسماوية بما فيها النباتات والحيوانات والناس والكواكب واجتيازها لمراحل النحو والتكامل يجرى بصورة عشوائية . فهي تسير بوحي من أمره وإرادته على ضوء الخطة المعدة لها سلفاً ولايسعها تخطى تلك الخطة بأي حال من الأحوال . وعليه فعالم الوجود يدار بمنتهى النظام والدقة . ولعلنا نلمس الإشارة إلى المراحل الثلاث المذكورة في الآيات القرآنية ، ومن ذلك الآيات 38 - 40 من سورة يس : « وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذ لِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ * وَالقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ القَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ » . ناهيك عن سائر الآيات القرآنية التي أشارت إلى هذه الحقيقة وهنا لابدّ من الالتفات إلى أمرين : الأول هو أنّ ما ورد في العبارات المذكورة بشأن الأوامر وتبعية المخلوقات للمشيئة الإلهية إنما هو إشارة إلى الأوامر التكوينية ، أو بعبارة أخرى : إشارة إلى القوانين التي أجراها اللَّه سبحانه في عالم الوجود وسيره على أساسها ، بالشكل الذي يحول دون تجاوزها لهذه القوانين . والأمر الثاني أنّ هذا الكلام لا يعنى إجبار الإنسان على أفعاله وذلك لأنّ اللَّه سبحانه جعل صفة الاختيار وحرية الإرادة أحد تلك القوانين التي تسير عالم الوجود ، وليس للإنسان قط أنّ يسلب نفسه هذه الصفة ، وبعبارة أخرى فانّ حرية الإنسان أيضاً بأمره سبحانه وتعالى .